الجنة». فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد (١)، عن أنس أن رسول الله ﷺ قال لرجل:«أسلم» قال: «إني أجدني كارهًا»، قال:«وإن كنت كارهًا» فإنه ثلاثي صحيح، ولكن ليس من هذا القبيل، فإنه لم يكرهه النبي ﷺ على الإسلام، بل دعاه إليه، فأخبره أن نفسه ليست قابلة له، بل هي كارهة، فقال له: «أسلم وإن كنت كارهًا، فإن الله [يرزقك](٢) حسن النية والإخلاص، وقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبدون من دون الله ووحد الله وحده، وشهد أن لا إله إلا هو ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ أي: فقد ثبت في أمره، واستقام على الطريقة المثلى، والصراط المستقيم (٣).
قال محمد تقي الدين: قال علماء التوحيد: الطاغوت: مأخوذ من الطغيان، والطغيان مجاوزة الحد في الكفر والضلال والإضلال، ومنه الطاغوت، جاء في اللسان العرب (٤): قال الشعبي وعطاء ومجاهد: الجبت السحر، والطاغوت الشيطان، والكاهن وكل رأس في الضلال، قد يكون واحدًا»؛ قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠]، وقد يكون جَمْعًا، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِنَ النُّورِ إلَى الظُّلُمَاتِ﴾.
قال محمد تقي الدين: قال علماء التوحيد الطواغيت كثيرة، أولهم إيليس لعنه الله، ومن دعا الناس إلى عبادته أو عبادة غيره، ومن حكم بغير ما أنزل الله، والكاهن، والساحر، ويجب على كل مؤمن أن يكفر بجميع الطواغيت، فإن القلب مثل الإناء، فلا بد من تطهيره قبل حلول الإيمان فيه، فإن الإيمان بالطاغوت نجاسة تجب إزالتها من القلب ليمتلئ بالإيمان بالله تعالى، وسيأتي إن شاء الله في سورة النساء زيادة على هذا.
= الوثاق والأغلال والقيود والأكبال ثم بعد ذلك يسلمون». (١) أخرجه أحمد (٣/ ١٠٩، ١٨١) ومن طريقه الضياء في «المختارة» (١٩٩٠، ١٩٩١): حدثنا يحيى عن حميد عن أنس، وإسناده صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه أيضًا أبو يعلى (٣٧٦٥، ٣٨٧٩)، والضياء (١٩٨٩، ١٩٩٢) وغيرهما. (٢) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «سيرزقك». (٣) تفسير ابن كثير (٢/ ٤٤٤ - ٤٤٦) بتصرف يسير. (٤) (٩/ ١٥ - طغي).