بقلبك يا محمد ﴿إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ أي: وجود ربه، وذلك أنه أنكر أن يكون (١) إله غيره، كما قال بعده فرعون لملئه ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] وما حمله على (٢) الطغيان والكفر الغليظ والمعاندة الشديدة إلا تجبره وطول مدته في الملك (٣)، وكان (٤) طلب من إبراهيم دليلًا على وجود الرب الذي يدعو إليه. فقال إبراهيم: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: إنما الدليل على وجوده حدوث هذه الأشياء المشاهدة بعد عدمها، وعدمها بعد وجودها، وهذا دليل على وجود الفاعل المختار ضرورة؛ لأنها لم تحدث بنفسها، فلا بد لها من موجد أوجدها، وهو الرب الذي أدعو إلى عبادته (٥) لا شريك له، فعند ذلك قال الحاج وهو نمرود: أنا أُحْيي، وأُمِيتُ. قال قتادة ومحمد بن إسحاق والسدي وغير واحد: وذلك أني أوتى بالرجلين قد استحقا القتل، فأمر بقتل أحدهما فيقتل، وآمر بالعفو عن الآخر فلا يقتل، فذلك معنى الإحياء والإماتة، والظاهر - والله أعلم ـ، أنه ما أراد هذا لأنه ليس جوابًا لما قال إبراهيم، ولا في معناه؛ لأنه مانع لوجود الصانع، وإنما أراد أن يدعي لنفسه هذا المقام عنادًا ومكابرة، ويوهم أنه فاعل لذلك، وإنه هو الذي يحيي ويميت، كما اقتدى به فرعون في قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] ولهذا قال له إبراهيم لما ادعى هذه المكابرة: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ
= وأسنده وباللفظ المذكور: ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١٧/ ٣٣٦، ٣٣٧) - بإسنادين متفرقين - عن سفيان الثوري، وسعيد بن بشير قولهما، وهو الأشبه. وأخرج أبو سعيد النقاش في «فنون العجائب» (رقم ٨٧ - بتحقيقي) بسند فيه كذاب - وهو محمد بن السائب الكلبي، وابنه هشام، قال عنه الدارقطني وغيره: متروك. انظر لهما - على الترتيب -: «الميزان» (٣/ ٥٥٦ و ٤/ ٣٠٤) - عن ابن عباس قال: «لم يملك الدنيا كلها إلا أربعة رهط: مؤمنان وكافران، وكان المؤمنان: ذو القرنين، وسليمان بن داود ﵉، والكافران: نمرود بن كنعان، الذي بنى المجدل بأرض بابل، والضحاك بن عدنان، وتقول الأزد منهم». (١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «ثم». (٢) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «هذا». (٣) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «وذلك أنه يقال: إنه مكث أربعمائة سنة في ملكه؛ ولهذا قال: ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾». (٤) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «وكأنه». (٥) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «وحده».