للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المتمسكين بالسنة بعدما دعوت الناس إليها من سنة إحدى وستين وثلاثمائة وألف إلى سنة ست وستين وثلاثمائة وألف، حكى: إن مجذوبًا - «المجذوب» عندهم: هو الذي فَقَد عقله، وصار يمشي عريانًا، ولا يتقيد بشيء من العبادة ولا من المروءة، وهذا عندهم معظم من كبار الأولياء الذين جذبهم الحق إلى حضرة محبته لهم بدون عبادة، ويقسمون الأولياء إلى مجذوب وسالك. فالسالك: هو الذي يسلك الطريقة والشريعة، ويؤدي الواجبات والنوافل حتى يصل إلى الولاية على يد شيخ من شيوخ المتصوفة - أخبرني أن مجذوبًا ومجذوبة كانا في مدينة تطوان يمشيان في الأسواق عريانين، ويتكلمان بكلام لا يفهم، وفي يوم من الأيام وثب المجذوب على المجذوبة في وسط السوق، فأضجعها وزنا بها، والناس ينظرون، ولم يستطع أحد أن ينبس ببنت شفة، بل أخذهم رعب وخوف عظيم، وتأولوا ذلك على أن أمرًا عظيمًا سيحدث، وبعد ذلك بأيام، انهزم الجيش المغربي أمام الإسبانيين حتى دخل الإسبانيون تطوان واستولوا عليها، ففسر الناس ذلك الزنا الذي وقع بين المجذوب والمجذوبة باستيلاء الإسبانيين على تطوان، فهل مثل هؤلاء مسلمون حقًا يرضى الله دينهم وعقيدتهم وينصرهم على أعداء الإسلام؟ ألا لا، ثم لا، فالله تعالى يقول: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١].

وقال تعالى في سورة الصافات: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] ومن بلغ في الجهل بالإسلام إلى ذلك الحد فحاشا لله أن يكون من المؤمنين، وأن يستحق النصر على الكافرين، والله يبين لنا معنى من هم أولياؤه بيانًا شافيًا وافيًا، وقال تعالى في سورة يونس: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤] فأخبر سبحانه أن الإيمان والتقوى شرط في ولايته، وأن أولياءه لهم علامات، منها البشرى في الحياة الدنيا، بالنصر والتأييد والاستقامة، والاجتماع على كلمة الحق والجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى غير ذلك، ولذلك قال هنا سبحانه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: يتولاهم دائمًا ﴿يُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ في حياتهم الدنيا وفي الآخرة. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ أي: الشياطين

<<  <  ج: ص:  >  >>