للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الشيخ: ما هذا؟ فقال المريد: هذا الذي أمرت به، فقال: ما أمرتك بشيء؟ وإنما سألتك سؤالا؟ فقال له: إن كلامك عندي كله حق، ليس فيه تأويل ولا مجاز، وهذا رأس أبي أمامك، فغضب عليه وقال له: كيف ترتكب هذا الجرم العظيم لمجرد سؤال ألقيته عليك؟ فأعاد عليه قوله من أن كلامه عنده لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما كنت أظنك غبيا إلى هذا الحد، هات القنديل، فلما جاء المريد بالقنديل، وأخرج الرأس من المخلاة، وجده رأس نصراني كان يزني بأمه، فعلم بذلك الشيخ من طريقة علم الغيب، وأراد أن يصيد عصفورين بحجر واحد، الأول: امتحان مريده هل بلغ من طاعته إلى الحد الذي يستحق أن يمنح الولاية، والثاني: أن يقتل ذلك النصراني الذي هتك حرمة والدته عقابا له، ويحكون من أمثال هذه الحكاية كثيرا ليضلوا الناس، ويعطلوا العمل بكتاب الله وسنة رسوله ، انظر كتابي «الهدية الهادية، إلى الطائفة التيجانية» (١).

وهذه الحكاية الملعونة يبرأ منها الله ورسوله، وجميع المسلمين الذين يعرفون ما هو الإسلام، سواء كانوا صوفية أو فقهاء، أو أهل حديث، فقد قال الجنيد وهو سيد الطائفة: «أمرنا هذا - يغني التصوف - مبني على أربعة أمور، أولها: اتباع السنة، والوقوف عند حدود الشريعة، وثانيها: أكل الحلال، وثالثها: كف الأذى، ورابعها: حمل الأذى». وقال: «إذا رأيتم الرجل يطير في السماء، أو يمشي على الماء، فلا تعتبروه شيئا، حتى تنظروا إلى تمسكه بالكتاب والسنة» (٢)، وقد ألف الإمام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية كتابا سماه «الفرقان بين أولياء الرحمان وأولياء الشيطان» (٣).

وحكى لي الثقة الصادق السيد محمد المؤذن، وكان من أعيان تطوان


(١) انظره (ص ١٢٩ وما بعد) وقال الهلالي فيه عن صاحب «الإبريز»: «حشاه بالأكاذيب»، وأورد نصوصا في الاقتصار على الطاعة بالمعروف. ثم قال: «وماذا عسى أن يكون هذا الشيخ؟ الواصل إلى الدرك الأسفل من ولاية الشيطان وعداوة الرحمان حتى يطاع طاعة مطلقة».
(٢) ستأتي العبارتان في (٣/ ٢٣٦)، وبينت هناك أن قائلهما غير الجنيد، والظاهر أن المصنف ينقل من حفظه، والحفظ يخون، والله أعلم.
(٣) طبع أكثر من مرة، أحسنها طبعة دار الفضيلة، بتحقيق الشيخ الدكتور عبد الرحمن اليحيى، وهي مقابلة على ست نسخ خطية.

<<  <  ج: ص:  >  >>