الآلهة باطلة فتنزجروا عن عبادتها؟ وهذه الحجة نظير ما احتج به (١) نبي الله هود ﵇ على قومه عاد، فيما قص الله عنهم في كتابه حيث يقول: ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٣ - ٥٦] وقوله: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ﴾ أي: كيف أخاف من هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله؟ ﴿وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ (٢) وقوله: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: فأي الطائفتين أصوب، الذي عبد من بيده الضر والنفع، أو الذي عبد من لا يضر ولا ينفع بلا دليل؟ أيهما أحق بالأمن من عذاب الله يوم القيامة؟ قال [الله] تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ أي: هؤلاء الذين أخلصوا العبادة الله وحده لا شريك له ولم يشركوا به شيئًا، هم الآمنون يوم القيامة، المهتدون في الدنيا والآخرة.
قال البخاري بسنده عن علقمة عن عبد الله قال:«لما نزلت: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ قال أصحابه وأينا لم يظلم نفسه؟ قال: إنه ليس للذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ إنما هو الشرك»(٣). وروى أحمد وابن مردويه (٤) بإسناديهما عن ثابت عن زاذان عن جرير بن عبد الله قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ، فلما برزنا من المدينة، إذا راكب يوضع نحونا، فقال رسول الله ﷺ: كأن هذا الراكب إياكم يريد»، فانتهى إلينا الرجل، فسلم فرددنا عليه فقال له النبي ﷺ:«من أين أقبلت؟» قال: من أهلي وولدي وعشيرتي، قال: فأين تريد؟ قال: أريد رسول الله ﷺ، قال:«فقد أصبته»، قال: يا رسول الله، علمني ما الإيمان؟ قال: «أن تشهد
(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «بها». (٢) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: قال ابن عباس وغير واحد من السلف؛ أي: حجة وهذا كقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾. (٣) أخرجه البخاري (٣٢)، ومسلم (١٢٤)، والترمذي (٣٠٦٩)، وأحمد (١/ ٣٧٨). (٤) غير موجود في مطبوع «تفسير ابن كثير».