قال مجاهد وغيره: يعني بذلك قوله: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ وقد صدقه (١) الله، وحكم له بالأمن والهداية، فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ثم قال بعد ذلك كله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ قرئ بالإضافة وبلا إضافة، كما في سورة يوسف، وكلاهما قريب في المعنى، وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ أي: حكيم في أقواله وأفعاله، عليم [أي:] بمن يهديه ومن يضله، وأن قامت عليه الحجج والبراهين كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧] ولهذا قال ههنا: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (٢).
[فائدة]
قال محمد تقي الدين: المشركون في كل زمان ومكان طبيعتهم واحدة لا تختلف إذا نهاهم ناه عن الشرك بالله، حاولوا أن يلتمسوا عذرًا لأنفسهم، فيقولون مثلًا: إن هذا الضريح، أو هذا التمثال، أو هذه الشجرة، أو هذا الحجر، أو هذا المكان، كل ذلك، منسوب إلى ملك مقرب أو نبي كريم، أو صالح من أولياء الله، فتعظيمنا له تعظيم للمنسوب إليه، ومنزلته عند الله عالية، ونحن مذنبون خاطئون، إذا دعونا الله لا يستجيب لنا، وإذا تشفعنا إليه بهذه الآثار المنسوبة إلى أوليائه يقضي حاجتنا، قال تعالى في سورة يونس: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٠] فأنت ترى أن الله لم يقبل عذرهم، وسمى عبادتهم لتلك الآثار وللمنسوبة إليهم شركًا.
فائدة ثانية: إذا رأى المشركون أن الذي ينهاهم عن الشرك لا يقبل عذرهم، انتقلوا إلى حجة أخرى وهي تخويفه من شركائهم، كما حكى الله عن قوم إبراهيم وقوم هود، فقال لهم إبراهيم: أنا لا أخاف ما تشركون به من
(١) كذا في مطبوع «تفسير ابن كثير»، وفي الأصل: «صدق»! (٢) انظر: «تفسير ابن كثير» (٦/ ١٠٠ - ١٠٦) بتصرف.