شريك له، وهذا المعنى (١) يقرن بالآخر كثيرًا في القرآن كقوله تعالى مرشدًا لعباده أن يقولوا له: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [المائدة: ٢٩] وقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩] وأشباه ذلك من الآيات.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ إخبار عن الواقع يوم القيامة في جزاء الله تعالى وحكمه وعدله أن النفوس إنما تجازى بأعمالها إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، وأنه لا يحمل من خطيئة (٢) أحد على أحد، وهذا من عدله تعالى كما قال: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨] وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] قال علماء التفسير أي: فلا يظلم بأن يحمل عليه سيئات غيره ولا يهضم بأن ينقص من حسناته، وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٨ - ٣٩] معناه كل نفس مرتهنة بعملها السوء (٣)، ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ فإنه قد تعود بركة (٤) أعمالهم الصالحة على ذرياتهم وقراباتهم، كما قال في سورة الطور: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١] أي: ألحقنا بهم ذريتهم في المنزلة الرفيعة في الجنة، وإن لم يكونوا قد شاركوهم في الأعمال بل في أصل الإيمان.
﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾ أي: أنقصنا (٥) أولئك السادة الرفعاء من أعمالهم شيئًا، حتى ساويناهم وهؤلاء الذين هم أنقص منهم منزلة، بل رفعهم تعالى إلى منزلة (٦) الآباء ببركة أعمالهم بفضله ومنه (٧)، ثم قال: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] أي من شره (٨) كقوله (٩): ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾
(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «معنى». (٢) في الأصل: «خطيئته». (٣) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «السيء». (٤) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «تعود بركات». (٥) في الأصل: «﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾: «نقصنا … ». (٦) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «منازل». (٧) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «ومنته». (٨) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «شر». (٩) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «وقوله».