فأخبر تعالى أنه بعث رسله بالإسلام، ولكنهم متفاوتون فيه بحسب شرائعهم الخاصة التي ينسخ بعضها بعضًا، إلى أن نسخت بشريعة محمد ﷺ التي لا تنسخ أبد الآبدين، ولا تزال قائمة منصورة، وأعلامها منشورة (١) إلى قيام الساعة، ولهذا قال ﷺ:«نحن معاشر الأنبياء أولاد علات، ديننا واحد»(٢) وأولاد (٣) العلات هم الإخوة من أب واحد، وأمهات شتى، فالدين واحد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له وإن تنوعت الشرائع التي هي بمنزلة الأمهات، كما أن إخوة الأخياف عكس هذا بنو الأم الواحدة من آباء شتى، والإخوة الأعيان الأشقاء من أب واحد وأم واحدة، وقال الإمام أحمد بسنده (٤) عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا كبر استفتح ثم قال: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي أنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعًا لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك». ثم ذكر تمام الحديث فيما يقوله في الركوع والسجود والتشهد. وقد رواه مسلم في «صحيحه».
ثم قال (ك): «يقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين بالله في إخلاص العبادة له والتوكل عليه: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ أي: أطلب ربًا سواه ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يربيني ويحفظني ويكلؤني ويدبر أمري، أي: لا أتوكل إلا عليه ولا أنيب إلا إليه؛ لأنه رب كل شيء ومليكه وله الخلق والأمر، ففي هذه الآية الأمر (٥) بإخلاص التوكل، كما تضمنت (٦) التي قبلها إخلاص العبادة لله وحده لا
(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «مشهورة». (٢) سبق تخريجه. (٣) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «فإن أولاد». (٤) أخرجه أحمد (١/ ٩٤)، ومسلم (٧٧١)، وأبو داود (٧٤٤، ٧٦٠)، والترمذي (٢٦٦، ٣٤١٨). (٥) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «بالعبادة وإخلاص». (٦) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «الآية».