ساكنها وعامرها، وقاربها وسائرها، حتى نقلتها مذحج بسلاحها، ونَحَّتْهُم عن بواديها، فأجلوا عنها مهانًا، وتركوها عيانًا، وحاولوها أزمانًا، ثُمَّ ترامت مذحج بأسنتها، وتَشَرَّنَتْ (١) بأعنتها، فيغلب العزيز أذلَّها، ويأكل الكثير أقلها، وكنا معشر يحابر أوتاد مرساها، ونظاهر أولاها، وصفاء مجراها، فأصابنا بها القحوط، وأخرجنا منها القنوط، بعدما غرسنا بها الأشجار، وأكلنا بها الثِّمار، وكان بنو عمرو بن خالد بن جذيمة يخبطون عضيدها (٢)، ويأكلون حصيدها (٣)، ويرشحون خضيدها (٤)، حتى ظعنا (٥) منها، ثمَّ إِنَّ قيس بن معاوية (٦) وإياد بن نزار (٧) نزلوها، فلم يصلوا بها حبلا، ولم يجعلوا لها أكلا، ولم يرضوا بها آخرًا ولا أولا، فلما أثرى ولدهم،
(١) التشرن: التأهب والتهيؤ للشيء والاستعداد له. النهاية (٢/ ٤٧١). (٢) العضيد والعضد: ما قطع من الشجر؛ أي: يضربونه ليسقط ورقه، فيتخذونه علفًا لإبلهم. النهاية (٣/ ٢٥٢). (٣) الحصيد: المحصود. النهاية (١/ ٣٩٤). (٤) أي: يصلحونه ويقومون بأمره، ترشيحهم له: قيامهم عليه، وإصلاحهم له إلى أن تعود ثمراته، فتطلع أما يفعل بشجر الأعناب والنخيل. النهاية (٢/٣٩). (٥) أصل الظعينة: الراحلة التي يرحل ويظعن عليها؛ أي: يُسار. النهاية (٣/ ١٥٧). (٦) كذا في الأصل، وصوابه: قُسِيُّ بن منبه، على وزن فعيل من القسوة، وذلك أنه قتل رجلًا فقيل قسا عليه، وكان غليظًا قاسيًا. الاشتقاق (ص: ٣٠١)، نزهة الألباب في الألقاب (٢/ ٩١)، وهو قَسِي بن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان. انظر: جمهرة أنساب العرب لابن حزم (١/ ٢٦٦)، والإنباه على قبائل الرواة (ص: ٧٧). (٧) هو: إياد بن نزار بن معد بن عدنان، من أجداد العرب في الجاهلية، ينسب إليه بنو إياد، وهم قبائل كثيرة، وكانت ديار الإياديين في الجاهلية جهات الحرم، وما بين تهامة وحدود نجران، وخرجوا إلى العراق بعد أن تكاثر المضريون، فنزلوا في شرقيه. الأعلام (٢/٣٢).