ولم يتقار (١) في منزله، ولم يكن إلا أن نزل فارتحل، فلما استقل النَّاس قالوا: ما شأن رسول الله ﷺ لم يتقار في منزله، لقد جاءه خبر، لعله أغير على المدينة وما فيها، فبعث النَّبيُّ ﷺ إلى ابن أبي فسأله عما تكلم به، فحلف بالله ما قال من ذلك شيئًا. فقال النَّبيُّ ﷺ:«إن كان سبق منك قول شيء فتب»، فجحد وحلف، فوقع رجال بزيد بن أرقم وقالوا: أسأت بابن عمك (٢) وظلمته، ولم يصدقك رسول الله ﷺ، فبينما هم يسيرون رأوا النَّبيَّ ﷺ يوحى إليه، فلما قضى الله قضاءه في موطنه وسري عنه نظر فإذا هو بزيد بن أرقم، فأخذ بأذنه يعصرها حتى استشرف (٣) القوم فعل رسول الله ﷺ ولا يدرون ما شأنه، فقال:«أبشر؛ فقد صدق الله حديثك»(٤)، فقرأ عليه
(١) أي: يسكن ويقيم في منزله. النهاية (٤/٣٧). (٢) ليس المراد: أنه ابن عمه حقيقة، بل المراد: أنه من قومه من الخزرج. (٣) الاسْتِشْرَاف: أَنْ تَضَع يَدَك عَلَى حاجِبك وَتَنْظُرَ، كَالَّذِي يَستَظِلُّ مِنَ الشَّمْسِ، حَتَّى يَسْتَبين الشَّيْءَ. وأصلُهُ مِنَ الشَّرَفِ: العُلُوّ، كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ فَيَكُونُ أَكْثَرَ لِإِدْرَاكِه النهاية. (٢/ ٤٦٢). (٤) وكان نزول السورة في ابن أبي وهم راجعون من الغزوة إلى المدينة، ويشهد لهذا رواية الترمذي من طريق أبي سعيد الأزدي قال: أخبرنا زيد بن أرقم، قال: غزونا مع رسول الله الحديث … وفيه: فبينا أنا أسير مع رسول الله ﷺ في سفر قد خفقت برأسي من الهم، إذ أتاني رسول الله ﷺ فعرك أذني وضحك في وجهي، فما كان يسرني أن لي بها الخلد في الدنيا، ثم إن أبا بكر لحقني فقال: ما قال لك رسول الله ﷺ؟ قلت: ما قال لي شيئًا إلا أنه عرك أذني وضحك في وجهي، فقال: «أبشر»، ثم لحقني عمر فقلت له مثل قولي لأبي بكر، فلما أصبحنا قرأ رسول الله ﷺ سورة المنافقون. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقال الألباني: صحيح الإسناد. سنن الترمذي (٥/ ٤١٥). قال الحاكم في مستدركه: قد اتفق الشيخان على إخراج أحرف يسيرة من هذا الحديث من حديث أبي إسحاق السبيعي، عن زيد بن أرقم، وأخرج البخاري متابعًا لأبي إسحاق من حديث شعبة عن الحكم، عن محمد بن كعب القرظي، عن زيد بن أرقم ولم يخرجاه بطوله، والإسناد صحيح. المستدرك (٢/ ٤٨٩).