عصفت، وليس عليكم منها بأس إن شاء الله»، وكان موته غائظًا للمنافقين.
قال جابر بن عبد الله ﵄(١): فرجعنا إلى المدينة فوجدنا منافقا عظيم النفاق مات يومئذ، وسكنت الريح آخر النهار (٢)، فجمع النّاس ظهرهم، وفقدت راحلة رسول الله ﷺ من بين الإبل، فسعى لها الرّجال يلتمسونها فقال رجل من المنافقين كان في رفقة من الأنصار: أين يسعى هؤلاء الرّجال؟ قال أصحابه: يلتمسون راحلة رسول الله ﷺ، فقال المنافق: ألا يحدثه الله بمكان راحلته؟ فأنكر عليه أصحابه ما قال، وقالوا: قاتلك الله، نافقت فلم خرجت وهذا في نفسك؟ لا صحبتنا ساعة.
فمكث المنافق معهم شيئًا، ثم قام وتركهم، فعمد لرسول الله ﷺ فسمع الحديث، فوجد الله قد حدثه حديثه فقال رسول الله ﷺ والمنافق يسمع:«إنَّ رجلًا من المنافقين شمت أن ضلَّت ناقة رسول الله وقال: ألا يحدثه الله بمكان ناقته، وإنَّ الله قد أخبرني بمكانها، ولا يعلم الغيب إلا الله، وإنَّها في الشعب المقابل لكم، قد تعلق زمامها بشجرة»، فعمدوا إليها فجاءوا بها، وأقبل المنافق سريعًا حتى أتى الّذين قال عندهم ما قال، فإذا هم جلوس مكانهم لم يقم رجل منهم من مجلسه فقال: أنشدكم بالله، هل أتى منكم
(١) جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي، صحابي ابن صحابي، اختلف في كنيته: قيل أبا عبد الله، وقيل أبا عبد الرحمن. غزا تسع عشرة غزوة، وكان من المكثرين الحفاظ للسنن، وكُفَّ بصره في آخر عمره. مات بالمدينة بعد السبعين وهو ابن أربع وتسعين. الاستيعاب (١/ ٢١٩)، والإصابة (١/ ٥٤٦). (٢) وقد ورد في صحيح مسلم ما يشهد لهذا من طريق أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَلَمَّا كَانَ قُرْبَ الْمَدِينَةِ هَاجَتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ تَكَادُ أَنْ تَدْفِنَ الرَّاكِبَ، فَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بُعِثَتْ هَذِهِ الرِّيحُ لِمَوْتِ مُنَافِقِ»، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَإِذَا مُنَافِقٌ عَظِيمٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ قَدْ مَاتَ. صحيح مسلم (٤/ ٢١٤٥).