للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يدعني، ثم يقال: ارفع رأسك، وقل تسمع، واشفع تشفع، قال: فيحد لي حدًا فأدخلهم الجنة»، وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ دليل على إحاطة علمه بجميع الكائنات ماضيها وحاضرها ومستقبلها، كقوله إخبارًا عن الملائكة: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] وقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ أي: لا يطلع أحد من علم الله على شيء إلا بما أعلمه الله ل وأطلعه عليه (١)، لا يطلعون على شيء من علم ذاته وصفاته إلا بما أطلعهم (٢).

قال محمد تقي الدين: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ قال بعض المفسرين من السلف: كرسيه: علمه (٣)، وقال أكثر المفسرين: إن الله كرسيًا هو أصغر من العرش (٤)، وجاءت الأخبار التي رواها المفسرون وأهل الحديث، أن الكرسي في عظمته لو جمعت السموات السبع وقوبلت بالكرسي لكانت كحلقة ملقاة في فلاة، ونحن نؤمن بهذا، ونترك تفسيره إلى الله تعالى، وهذه الأمور لا يطلب من مؤمن معرفة تفاصيلها إلا ما ورد عن النبي ، وإنما يطلب منه الإيمان بها.

قال (ك): ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ أي: لا يثقله ولا يكرثه حفظ السموات والأرض ومن فيهما ومن بينهما، بل ذلك سهل عليه يسير لديه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء، فلا يعزب عنه شيء، ولا يغيب عنه شيء، والأشياء كلها حقيرة بين يديه، متواضعة ذليلة صغيرة بالنسبة إليه، محتاجة فقيرة وهو الغني الحميد الفعال لما يريد، الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو القاهر لكل شيء، الحسيب على كل شيء، الرقيب العلي العظيم،


(١) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير: ويحتمل أن يكون المراد».
(٢) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «الله عليه كقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ وقوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾».
(٣) روي عن ابن عباس، وقاله سعيد بن جبير. انظر: «تفسير ابن كثير» (٢/ ٤٤١)، و «تفسير ابن جرير» (٤/ ٥٣٧)، وتفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤٩٠)، و «الأسماء والصفات» (ص ٢٣٣)، و «الدر المنثور» (١/ ٣٢٧).
(٤) كالسدي والضحاك ومسلم البطين وأبي موسى. انظر: «تفسير ابن كثير» (٢/ ٤٤١)، و «تفسير ابن جرير» (٤/ ٥٣٨ - ٥٣٩)، و «المجالسة» (رقم ٢١ - بتحقيقي)، و «العظمة» (٢٤٧)، و «رد الدارمي على بشر المريسي» (ص ٦٧ - ٧٤)، و «العرش» (٦٠). والأدلة على هذا لائحة، وأشار المصنف إليها، وسيأتي تخريج ذلك لاحقًا، والله الموفق، لا رب سواه.

<<  <  ج: ص:  >  >>