للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .


وحتى لا تتهم المصنف بالشدّة وعدم اللين أو الغلو والتعصب وعدم الإنصاف، قال مبينًا جهل أبناء زمانه في (الشفاعة): «ومن جهل المشرك: اعتقاده أن من اتخذه وليًا أو شفيعًا: أنه يشفع له، وينفعه عند الله. كما يكون خواص الملوك والولاة تنفع شفاعتهم من والاهم. ولم يعلموا أن الله لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يأذن في الشفاعة إلا لمن رضي قوله وعمله كما قال تعالى في الفصل الأول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وفي الفصل الثاني: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وبقي فصل ثالث؛ وهو أنه لا يرضى من القول والعمل إلا التوحيد، واتباع الرسول. وعن هاتين الكلمتين يسأل الأولين والآخرين. كما قال أبو العالية: «كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟».
فهذه ثلاثة أصول؛ تقطع شجرة الشرك من قلب من وعاها وعقلها: لا شفاعة إلا بإذنه. ولا يأذن إلا لمن رضي قوله وعمله ولا يرضى من القول والعمل إلا توحيده، واتباع رسوله. فالله تعالى: لا يغفر شرك العادلين به غيره، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] وأصح القولين: أنهم يعدلون به غيره في العبادة والموالاة والمحبة، كما في الآية الأخرى ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨]، وكما في آية البقرة ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُب الله﴾ [البقرة: ١٦٥].
ترى المشرك يكذب حاله وعمله قوله، فإنه يقول: لا نحبهم كحب الله، ولا نسويهم بالله، ثم يغضب لهم ولحرماتهم - إذا انتهكت - أعظم مما يغضب الله، ويستبشر بذكرهم، ويتبشبش به، سيما إذا ذكر عنهم ما ليس فيهم من إغاثة اللهفات، وكشف الكربات، وقضاء الحاجات، وأنهم الباب بين الله وبين عباده. فإنك ترى المشرك يفرح وَيُسَرُّ وَيَحِنُّ قلبه، وتهيج منه لواعج التعظيم والخضوع لهم والموالاة، وإذا ذكرت له الله وحده، وَجَرَّدت توحيده لحقته وَحْشَة، وضيق، وحرج ورماك بنقص الإلهية التي له، وربما عاداك.
رأينا والله منهم هذا عيانًا، ورمونا بعداوتهم، وبغوا لنا الغوائل، والله مخزيهم في الدنيا والآخرة. ولم تكن حجتهم إلا أن قالوا كما قال إخوانهم: عاب الهتنا، فقال هؤلاء: تنقصتم مشايخنا، وأبواب حوائجنا إلى الله. وهكذا قال النصارى للنبي ، لما قال لهم: «إن المسيح عبد الله قالوا: تنقصت المسيح وَعِبْته. وهكذا قال أشباه المشركين لمن منع اتخاذ القبور أوثانًا تعبد، ومساجد تقصد، وأمر بزيارتها على الوجه الذي أذن الله فيه ورسوله، قالوا: تنقصت أصحابها.
فانظر إلى هذا التشابه بين قلوبهم، حتى كأنهم قد تواصوا به ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧].
وقد قطع الله تعالى كل الأسباب التي تعلّق بها المشركون جميعًا، قطعًا يعلم من تأمله وعرفه: أن من اتخذ من دون الله وليًا، أو شفيعًا، فهو ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾

<<  <  ج: ص:  >  >>