الجملة السادسة: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: هو محيط علمًا بجميع أمور العباد من الأزل إلى الأبد، ولا يتصف أحد بهذه الصفة سواه.
الجملة السابعة: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾، أي: كل من سوى الله تعالى من المخلوقين لا يعلم من علم الله تعالى إلا ما علمه الله، وما سوى ذلك يخفى عليه، ويدعي كثير من المشركين في هذا الزمان أن النبي ﷺ يعلم كل ما يعلمه الله، وهذا كفر بإجماع المسلمين، وسيأتي - إن شاء الله - في (سورة الأنعام) بيانه، ويزعمون أن آلهتهم التي يسمونها بالأولياء تعلم الغيب، ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١].
الجملة الثامنة: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، قد تقدم بيان معناها بما لا يحتاج إلى مزيد.
الجملة التاسعة: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾، كل من وكل إليه حفظ شيء من
﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ﴾ [العنكبوت: ٤١]، فقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣]. فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يعتقد أنه يحصل له به من النفع. والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلة من هذه الأربعة: إما مَالِكُ لما يريده عابده منه، فإن لم يكن مالكًا كان شريكًا للمالك، فإن لم يكن شريكًا له كان معينًا له وظهيرًا، فإن لم يكن معينًا ولا ظهيرًا كان شفيعًا عنده. فنفى سبحانه المراتب الأربع نفيًا مترتبًا، متنقلًا من الأعلى إلى ما دونه، فنفى الْمِلْكَ، والشركة، والمظاهرة، والشفاعة، التي يظنها المشرك. وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك، وهي الشفاعة بإذنه. فكفى بهذه الآية نورًا، وبرهانًا ونجاة، وتجريدًا للتوحيد، وقطعًا لأصول الشرك ومواده لمن عَقَلَهَا. والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها. ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته، وتضمنه له، ويظنونه في نوع وفي قوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثًا، وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن. ولعمر الله إن كان أولئك قد خلوا، فقد ورثهم من هو مثلهم، أو شر منهم، أو دونهم. وتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك». قال أبو عبيدة: فصل الهلالي - رحمه الله تعالى - في تناول القرآن لمن يفعل الشرك تحت الآيات التي تخصهم على وجه ظاهر قوي، وصرح فيه بضرورة إقامة الحجة، وقرر أنه لا يلزم كل من وقع في الشرك أن يكون مشركًا، فليكن ذلك على بالك في جميع تقريراته الآتية، والله الهادي.