للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .


عربهم وعجمهم، وملوكهم وزهادهم، وعلمائهم وعامتهم، بل لعامة الثقلين؛ الجن والإنس، وأنها باقية دائمة إلى يوم القيامة، وأنه ليس لأحد من الخلائق الخروج عن متابعته وطاعته وملازمة ما يشرعه لأمته من الدين وما سنه لهم من فعل المأمورات وترك المحظورات، بل لو كان الأنبياء المتقدمون قبله أحياء؛ لوجب عليهم متابعته ومطاوعته؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١].
قال ابن عباس: «ما بَعَثَ الله نبيًا إلا أخذ عليه الميثاق؛ لئن بعث محمد وهو حي؛ ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره بأخذ الميثاق على أمته لئن بُعِثَ محمد وهو حي؛ ليؤمنن به ولينصرنه».
بل قد ثبت بالأحاديث الصحيحة أن المسيح عيسى ابن مريم إذا نزل من السماء؛ فإنه يكون متبعًا لشريعة محمد ، فإذا كان يجب اتباعه ونصره على من يدركه من الأنبياء؛ فكيف بمن دونهم؟
بل مما يُعلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز لمن بلغته دعوته أن يتبع شريعة رسول غيره؛ كموسى وعيسى، فإذا لم يجز الخروج عن شريعته إلى شريعة رسول؛ فكيف بالخروج عنه وعن الرسل؟!
قال الله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٦ - ١٣٧].
ومما يبين الغلط الذي وقع لهم في الاحتجاج بقصة موسى والخضر على مخالفة الشريعة: أن موسى لم يكن مبعوثًا إلى الخضر، ولا أوجب الله على الخضر متابعته وطاعته، بل قد ثبت في «الصحيحين» وغيرهما أن الخضر قال له: «يا موسى! إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله عَلَّمَكَهُ الله لا أعلَمُه». وذلك أن دعوة موسى كانت خاصة، وقد ثبت في الصحاح من غير وجه عن النبي أنه قال فيما فضَّلَهُ الله به على الأنبياء؛ قال: «كانَ النبيُّ يُبْعَثُ إلى قومه خاصة، وبُعِثْتُ إلى الناس عامة».
فدعوة محمد شاملة لجميع العباد، ليس لأحد الخروج عن متابعته وطاعته، ولا استغناء عن رسالته؛ كما ساغ للخضر الخروج عن متابعة موسى وطاعته مستغنيًا عنه بما علمه الله، وليس لأحدٍ ممَّن أدركه الإسلام أن يقول لمحمد : إني على علم من علم الله علَّمنيهِ الله لا تَعْلَمُهُ!! ومَن سوّغ هذا، أو اعتقد أن أحدًا من الخلق - الزهاد، والعباد، أو غيرهم - له الخروج عن دعوة محمد ومتابعته؛ فهو كافر باتفاق المسلمين، ودلائل هذا من الكتاب والسنة أكثر من أن تذكر هنا.

<<  <  ج: ص:  >  >>