للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .


وقصة الخضر ليس فيها خروج عن الشريعة، ولهذا لما بين الخضر لموسى الأسباب، التي فعل لأجلها ما فعل؛ وافقه موسى، ولم يختلفا حينئذ، ولو كان ما فعله الخضر مخالفا لشريعة موسى؛ لما وافقه.
ومثل هذا وأمثاله يقع للمؤمنين بأن يختص أحد الشخصين بالعلم بسبب يبيح له الفعل في الشريعة، والآخر لا يعلم ذلك السبب - وإن كان قد يكون أفضل من الأول -؛ مثل شخصين دخلا إلى بيت شخص، وكان أحدهما يعلم طيب نفسه بالتصرف في منزله، إما بإذن لفظي أو غيره، فيتصرف، وذلك مباح في الشريعة، والآخر الذي لم يعلم هذا السبب لا يتصرف.
وخرق السفينة كان من هذا الباب، فإن الخضر كان يعلم أن أمامهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا، وكان من المصلحة التي يختارها أصحاب السفينة - إذا علموا ذلك - أن يخرقوها؛ لئلا يأخذها الملك؛ لأن بقاءها مع الخرق فيها خير من انتزاعها منهم.
وكذلك قتل الغلام كان من باب دفع الصائل على أبويه؛ لعلمه بأنه كان يفتنهما عن دينهما، وقتل الصبيان يجوز إذا قاتلوا المسلمين، بل يجوز قتلهم لدفع الصول على الأموال، ولهذا ثبت في «صحيح البخاري» أن نجدة الحروري لما سأل ابن عباس عن قتل الغلمان؛ قال: «إن كنت تعلم منهم ما علمه الخضر من الغلام؛ فاقتلهم، وإلا؛ فلا تقتلهم».
وكذلك في «الصحيحين» أن عمر لما استأذن النبي في قتل ابن صياد - وكان مراهقا - لما ظنه الدجال، فقال: «إن يكنه؛ فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه؛ فلا خير لك في قتله». فلم يقل: إن يكنه؛ فلا خير لك في قتله، بل قال: «فلن تسلط عليه»، وذلك يدل على أنه لو أمكن إعدامه قبل بلوغه لقطع فساده؛ لم يكن ذلك محذورا، وإلا كان التعليل بالصغر كافيا، فإن الأعم إذا كان مستقلا بالحكم؛ كان الأخص عديم التأثير.
وأما بناء الجدار؛ فإنما فيه ترك أخذ الجعل مع جوعهم، وقد بين الخضر أن أهله فيهم من الشيم وصلاح الوالد ما يستحقون به التبرع، وإن كان جائعا.
والمقصود من هذا كله: أنه ليس في قصة الخضر ما يسوغ مخالفة رسول الله لأحد من الخلق، أفاده ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (١١/ ٤٢٠ وما بعدها).
والله در أبي العباس أحمد بن عمر القرطبي - رحمه الله تعالى - فقد قال فيما نقله عنه تلميذه الإمام القرطبي المفسر في تفسيره: «الجامع لأحكام القرآن» (١/٤٠ - ٤١) ما نصه: «ذهب قوم من زنادقة الباطنية إلى سلوك طريق تلزم منه هدم الأحكام الشرعية، فقالوا: هذه الأحكام الشرعية العامة إنما يحكم بها على الأغبياء والعامة!! وأما الأولياء وأهل الخصوص؛ فلا يحتاجون إلى تلك النصوص!! بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم!! ويحكم عليهم بما يغلب على خواطرهم!! وقالوا: وذلك لصفاء قلوبهم عن الأكدار، وخلوها عن الأغيار، فتتجلى لهم العلوم الإلهية، والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار الكائنات، ويعلمون أحكام الجزئيات،

<<  <  ج: ص:  >  >>