للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .


فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات؛ كما اتفق للخضر، فإنه استغنى بما تجلى له من العلوم عما كان عند موسى من تلك الفهوم!!
وقد جاء فيما ينقلون: «استفتِ قلبك وإن أفتاكَ المُفتون!».
قال الإمام القرطبي: «قال شيخنا وهذا القول زندقة وكفر، يُقتل قائله، ولا يستتاب؛ لأنه إنكار ما علم من الشرائع، فإن الله تعالى قد أجرى سنته وأنفذ حكمته بأن أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسالة السفراء بينه وبين خلقه، وهم المبلغون عنه رسالته وكلامه، المبينون شرائعه وأحكامه، اختارهم لذلك، وخصَّهم بما هنالك؛ كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥].
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤].
وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣] … إلى غير ذلك من الآيات.
وعلى الجملة؛ فقد حصل العلم القطعي، واليقين الضروري، وإجماع السلف والخلف على أن لا طريقة لمعرفة أحكام الله تعالى، التي هي راجعة إلى أمره ونهيه، ولا يُعرف شيء منها؛ إلا من جهة الرسل، فمن قال: إِنَّ هناك طريقًا آخر يُعرف بها أمره ونهيه غير الرسل، بحيث يستغني عن الرسل؛ فهو كافر، يُقتل ولا يُستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب.
ثم هو قول بإثبات أنبياء بعد نبينا ، الذي قد جعله الله خاتم أنبيائه ورسله، فلا نبي بعده ولا رسول.
وبيان ذلك أن من قال: يأخذ عن قلبه، وأن ما يقع فيه هو حكم الله تعالى، وأنه يعمل بمقتضاه، وأنه لا يحتاج مع ذلك إلى كتاب ولا سنة؛ فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة». اهـ.
وانظر من: «تفسير القرطبي» (٧/ ٣٩).
وقال الشيخ علي القاري - رحمه الله تعالى - في «المقدمة السالمة في خوف الخاتمة» (ص ١٩ - بتحقيقي).
لا اعتبار لمكاشفات الأولياء، ومحاضرات الأصفياء، بحيث يُعتمد عليها بالكلية في الأمور الشرعية، أو في الأطوار الحقيقية، فإنَّ الإنسان ما دام في هذه الدار المشوبة بالأكدار، لا تصفى له الأسرار، ولا تتجلى له الأنوار؛ بخلاف الأنبياء الأبرار، والرسل الكبار، ولذا قال تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]. وانظر في هدم الكشف: «القائد لتصحيح المعقائد» (ص ٣٧ وما بعدها)، «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٥/ ٤٩١)، «الجواب الصحيح» (٢/ ٩٢).
ومما لا ينبغي أن ينسى في هذا المقام أنه وقع لبعض الجهلة مغلطة عظيمة، فقال: إن الخضر أفضل من موسى؛ تمسكًا بهذه القصة وبما اشتملت عليه.
وهذا إنما يصدر ممَّن قصر نظره على هذه القصة، ولم ينظر فيما خص الله به موسى .

<<  <  ج: ص:  >  >>