من أنواع الشرك، قال أبو محمد المقدسي في «الكافي»(١): «السحر عزائم ورقى وعقد يؤثر (٢) في القلوب والأبدان (٣) فيمرض ويقتل ويفرق بين المرء وزوجه، ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه، قال الله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] وقال سبحانه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] إلى قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤]؛ يعني السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن وينفثن في عقدهن، ولولا أن للسحر حقيقة لم يأمر بالاستعاذة منه، وقد زعم قوم من المعتزلة وغيرهم أن السحر تخييل لا حقيقة له، وهذا ليس بصحيح على إطلاقه، بل منه ما هو تخييل ومنه ما له حقيقة مما تقدم.
قال: وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: ولقد علم اليهود الذين استبدلوا السحر عن متابعة الرسل والإيمان بالله ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ أي استبدل ما تتلو الشياطين بكتاب الله ومتابعة رسله ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
قال ابن عباس:«من نصيب»(٤)، قال قتادة:«وقد علم أهل الكتاب فيما عهد الله إليهم، أن الساحر لا خلاق له في الآخرة»(٥)، وقال الحسن: «ليس له دين (٦)»، فدلت
الحسن البصري عن أبي هريرة، وإسناده ضعيف ومنقطع، قال الذهبي في «الميزان» (٢/ ٣٧٨): «هذا حديث لا يصح للين عباد وانقطاعه» قلت: يريد أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، وضعفه شيخنا الألباني. وتحسين ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (٣/ ٧٨) له بشواهده التي تدل على قبح تعلم السحر شرعا، وأما الآية فلا تصلح شاهدا لتصحيح الحديث أو تحسينه؛ لأن المبحث ليس لكون ما في الحديث حقا أم باطلا، وإنما: هل قاله النبي ﷺ أم لا، فتأمل ويؤكد ضعفه رواية أبان - وهو أوثق من عباد - إذ رواه عن الحسن مرسلا، أخرج ذلك عبد الرزاق في «المصنف» (١١/ ١٧) رقم (١٩٧٧٢). (١) (٥/ ٣٣١). (٢) في مطبوع الكافي: «تؤثر». (٣) في مطبوع الكافي: «في الأبدان والقلوب». (٤) أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (١/ ١٩٥) رقم (١٠٢٦) ولم يعزه في «الدر» (١/ ٥٣٧) إلا له، وهو من ضمن «مسائل نافع بن الأزرق لابن عباس»، أخرجها الطستي في «مسائله»، أفاده السيوطي أيضا. (٥) أخرجه ابن جرير (٢/ ٣٦٣). (٦) أخرجه ابن جرير (٢/ ٣٦٦)، وعبد الرزاق (١/ ٥٤)، وابن أبي حاتم (١/ ١٩٥) في «تفاسيرهم»، وذكره ابن كثير في تفسيره (١/ ٥٣٧)، وانظر: «الدر» (١/ ٥٣٧).