للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

صاروا كمن لا يعلم، أي كالجاهلين، بل العالم الذي لا ينفعه علمه شر من الجاهل كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢] الخطاب هنا أيضًا لليهود.

وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢]؛ يعني أن اليهود نبذوا ما جاء في التوراة والقرآن من وجوب الإيمان بجميع رسل الله تعالى، واتباع ما جاؤوا به من توحيد الله وطاعته، واتبعوا ما علمتهم الشياطين من السحر الذي نسبته إلى سليمان كذبًا وزورًا! وسليمان رسول أمين بريء من السحر (١)، وما زعمته الشياطين لأتباعهم أن سليمان لما بلغ ذلك الملك العظيم والحكم على الجن والإنس إلا بالسحر، فجاء محمد رسول الله خاتم النبيين وإمامهم فيرًا أخاه سليمان مما نسبت له الشياطين واليهود من السحر الذي هو كفر، فإن اليهود بنسبتهم السحر إلى نبي الله سليمان لزمهم نسبة الكفر إليه، وحاشا سليمان من الكفر، بل الشياطين وأتباعهم هم الذين كفروا بسليمان وبمحمد رسول الله صلى الله عليهما وسلم، وكفروا بتعليمهم الناس السحر وحثهم على العمل به، والسحر هو ما يفعله الساحر من الحيل والتخييلات التي تحصل بسببها للمسحور ما يحصل من الخواطر الفاسدة الشبيهة بما يقع لمن يرى السراب فيظنه ماء، وما يظنه راكب السفينة أو الدابة من أن الجبال تسير، وذهب من عداهم إلى أن له حقيقة مؤثرة (٢)، قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة: ١٠٢].

قال محمد تقي الدين: لا أعلم آية في كتاب الله تعالى تحيرت في تفسيرها كما تحيرت في تفسير هذه الآية؛ لأن الناس من زمان الصحابة إلى يومنا هذا اختلفوا في تفسيرها، وأنا أستعين بالله وأختار القول الذي أراه صحيحًا مطابقًا للأصول، وما أبرئ نفسي من الخطأ، فأقول وبالله التوفيق: أكثر المفسرين على أن (ما)، موصولة، فمعناها أن الشياطين كانوا يعلمون الناس السحر ويعلمونهم ما أنزل على الملكين اللذين أنزلهما الله في بابل بأرض العراق يعلمان الناس


(١) لا تلتفت إلى ما يسمى بـ «العهود السليمانية» وما ينسجه القصاص عن (خاتمه) من أساطير، وكذا عن (بساطه).
(٢) هذا هو الصحيح، فليس كل السحر تخييلات و طلسمات انظر تفصيل ذلك في: «عالم السحر والمشعوذة» (ص ١٤٩ - ١٦٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>