السحر فتنة لهم، للتمييز بين من يؤمن بالله ويطيع الله ويلتزم حدوده، وبين من اتبع هواه وكفر بالله وعصى أمره، وكانا لا يعلمان أحدًا حتى ينصحاه ويخبراه بالعاقبة الوخيمة لمن يتعلم السحر المشتمل على الكفر، فإذا أبي إلا التعلم والعمل به علماه، قالوا: ولا مانع أن يبتلي الله عباده بمثل هذا.
وقال آخرون - منهم ابن جرير الطبري سيد المفسرين في زمانه -: «أن، (ما)، نافية؛ أي: لم ينزل الله السحر على الملكين وهما جبريل وميكائيل، أو هما (١) ملكان آخران؛ لأن الله حرم السحر وجعله كفرًا وشرًا وفسادًا، فكيف ينزله على الملكين ليعلماه الناس، وقد أخبر أن الشياطين هم الذين كفروا، وهم الذين يعلمون الناس السحر، فكيف يفعل الملكان ما تفعله الشياطين، والله لطيف بعباده؟» (٢).
وهذا القول هو الذي انشرحت له نفسي، واطمأن إليه قلبي، أما هاروت وماروت، فعلى القول الأول، هما اسمان للملكين، وعلى القول الذي اخترته وتبعت فيه ابن جرير هما اسمان لرجلين من أهل بابل (٣) كانا يفعلان ذلك وكانا
(١) وقرئ (على الملكين) بكسر اللام، وهي قراءة شاذة ولكنها صحيحة السند، ولا إشكال في القول بالنفي على هذه القراءة، أما على قراءة الفتح فقد قيل: إنهما كانا رجلين يشبهان الملائكة في صلاحهما. (انظر حاشية الجمل على الجلالين) (منه). قال أبو عبيدة: الملكان - على هذه القراءة - يعني به: رجلين من بني آدم، وهي قراءة رويت عن ابن عباس والحسن بن علي وأبي الأسود الدؤلي والضحاك وابن أبزى وسعيد بن جبير والزهري وقتيبة عن الكسائي، وردّ هذه القراءة الطبري وخطأها. انظر: «البحر المحيط» (١/ ٣٢٩)، «المحرر الوجيز» (١/ ٤١٧)، «المحتسب» (١/ ١٠٠)، «الكشاف» (١/ ٢٣١)، «معاني القرآن» (١/ ٦٤) للفراء، «الدر المصون» (١/ ٣٢١). (٢) انظر: «تفسر ابن جرير» (٢/ ٣٣١ - ٣٣٢) وقد تصرف فيه المؤلف. (٣) وعليه فإن هاروت وماروت بدل من الشياطين، وهذا - كما قال القرطبي - أولى ما حملت عليه الآية وأصح، قال: ولا يلتفت إلى ما سواه وتبنّاه ابن كثير، وجوده شيخنا محمد نسيب الرفاعي الله في تيسير العزيز الحميد (١/ ٨٤) فقال: «قلت: إننا مع ابن كثير في تبنيه تأويل القرطبي … إلا في ما ذهب إليه القرطبي من أن هاروت وماروت بدل من الشياطين لأن الشياطين ليس من فطرتهم النصح لبني آدم حتى يقولوا لهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ بل إن من أولى مهماتهم وفطرهم التي جبلوا عليها أن يفتنوا بني آدم ويغووهم. لذا فإنني أرجح أن يكون هاروت وماروت بدلًا من الناس وعلى هذا … يكون تأويل الآية: وما كفر سليمان وما أنزل على الملكين السحر، ولكن الشياطين كفروا بتعليمهم السحر للناس؛ أي يعلمون هاروت وماروت اللذين هما رجلان من الناس