للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الأمور فهو من الأولياء، وعدّوها من كرامات الأولياء، وآل الأمر إلى أن عبد أصحابها ورجى منهم النفع والضر والحفظ والكلاءة والنصر أحياء وأمواتًا، بل اعتقد كثير في أناس من هؤلاء أن لهم التصرف التام المطلق في الملك، ولا بد من ذكر فرقان يفرق به المؤمن بين ولي الله وبين عدو الله من ساحر وكاهن وعائف وزاجر ومتطير ونحوهم ممن قد يجري على يده شيء من الخوارق، فاعلم أنه ليس كل من جرى على يده شيء من خوارق العادة يجب أن يكون وليًا الله تعالى؛ لأن العادة تنخرق بفعل الساحر والمشعوذ وخبر المنجم والكاهن بشيء من الغيب، مما يخبره به الشياطين المسترقون للسمع، وفعل الشياطين بأناس ينتسبون إلى دين وصلاح ورياضة مخالفة للشريعة كأناس من الصوفية وكرهبان النصارى ونحوهم فيطيرون بهم في الهواء ويمشون بهم على الماء ويأتون بالطعام والشراب والدراهم، وقد يكون ذلك بعزائم ورقى شيطانية وأدوية كالذين يدخلون النار بحجر الطلق ودهن … (١) وقد يكون ذلك برؤيا صادقة فيها ما يستدل به على وقوع ما يقع، وهذه مشتركة بين ولي الله وعدوه، وقد يكون ذلك بنوع طيرة يجدها الإنسان في نفسه فتوافق القدر وتقع كما أخبر، وقد يكون لعلم الرمل والضرب بالحصى، وقد يكون ذلك أشد وطءًا، والأحوال الشيطانية كثيرة، وقد فرق الله بين أوليائه وأعدائه في كتابه فاعتصم به وحده لا إله إلا هو فإنه لا يضل من اعتصم به ولا يشقى، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣] فذكر تعالى أن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون هم المؤمنون المتقون، ولم يشترط أن يجري على أيديهم شيء من خوارق العادة. تدل على أن الشخص قد يكون وليًا الله وإن لم يجر على يديه شيء من الخوارق إذا كان مؤمنًا متقيًا، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] فأولياء الله المحبوبون عند الله هم المتبعون للرسول


(١) كذا بياض في الأصل وأفاد شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (١١/ ٤٥٩) وغيره - عند كلامه عن البطائحية -، أنهم يطلون جسومهم بأدوية يصنعونها من دهن الضفادع، وباطن قشر النارنج، وحجر الطلق، وغير ذلك من الحيل المعروفة لهم، … في كلام بديع ينظر فيه، ليعلم دجل هؤلاء الأدعياء، وصدق شيخ الإسلام إذ تحداهم أن يدخل النار، فَأَبَوْا.

<<  <  ج: ص:  >  >>