باطنًا وظاهرًا، ومن كان بخلاف هذا فليس بمؤمن فضلًا عن أن يكون وليًا لله تعالى، وإنما أحبهم الله تعالى لأنهم والوه، فأحبوا ما يحب، وأبغضوا ما يبغض، ورضوا بما يرضى، وسخطوا على ما يسخط، وأمروا بما يأمر، ونهوا عما ينهى، وأعطوا من يحب أن يعطي ومنعوا من يحب أن يمنع، وأصل الولاية المحبة والقرب، وأصل العداوة البغض والبعد، وبالجملة أولياؤه أحباؤه المتقربون إليه بالفرائض والنوافل وترك المحارم، الموحدون له الذين لا يشركون بالله شيئًا. ولشيخ الإسلام كتاب «الفرقان» بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان فراجعه فإنه أتى فيه بالحق المبين (١).
(تذييل مهم في أنواع السحر) دلت الآية على أن السحر نوعان: منه ما يؤثر عن الشياطين، ومنه ما يتوصل إليه بسبب علوم لم تكن موضوعة له خاصة، كالذي أنزل على الملكين ببابل. وقد قسم العلماء السحر إلى أقسام: أولها: سحر الكلدانيين وهم: أهل بابل، والكسدانيين وهم: النبط الذين كانوا في قديم الدهر، وهم قوم يعبدون الكواكب، ويزعمون أنها هي المدبرة لهذا العالم، ومنها تصدر الخيرات والشرور، والسعادة والنحوسة، وهم الذين بعث الله إبراهيم مُبطلًا لمقالتهم رادًا عليهم في مذاهبهم، وكان لهم في هذا النوع تأليف وآثار قد وصل إلى علماء هذه الملة منها النزر اليسير، فأخذوا منه أحكام النجوم، وصور الدرج، والكواكب والسيمياء والكيمياء. وأكثر من اعتنى بتخليص ذلك وضبط قواعده مسلمة بن أحمد المجريطي الأندلسي في كتابه الذي سماه «غاية الحكيم». ثانيها: سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية، وعلله الرئيس ابن سينا في «الشفاء»، بأن الأحوال الجسمانية تابعة للأحوال النفسانية، وذلك أن الوهم إذا تسلط على شيء أثر فيه تأثيرًا ظاهرًا. وعندي لذلك تعليل أسميه بالكهربائية النفسانية، وذلك أن الهمة إذا سلطت على شيء اهتمامًا تامًا، انفصل من صاحب تلك الهمة مغناطيس جذاب، فاتصل بالشيء التي وجهت الهمة نحوه فحصل له الجذب والانفعال، وتصرف الجاذب بالمجذوب تصرفًا قهريًا له، وهذا يشبه اتصال العاشق بالمعشوق، فإن المعشوق لما كانت كهربائيته أقوى، جذب العاشق جذب ملك وقهر، وتلك الكهربائية لا ينكر وجودها في الأجسام إلا من ليس له اطلاع على هذا الفن، وعسانا أن نوضح هذا ونثبته في مكان آخر، ومن هذا النوع ما يسمى في زمننا بالتنويم المغناطيسي الذي اشتهر عند كثير من الناس.
ثالثها: من السحر التخيلات والأخذ بالعيون كما هو شأن المشعبذ الحاذق، فإنه يظهر عمل شيء يشغل أذهان الناظرين به، ويأخذ عيونهم إليه حتى إذا استغرقهم الشغل بذلك الشيء والتحديق نحوه، عمل عملًا آخر بسرعة شديدة، فيبقى ذلك العمل خفيًا لتفاوت